|
(الجزء
الثاني)
حقائق
حول موقف الشيخ محمد بن غلبون
من
الملك ادريس
(رحمه الله)
نشر في صفحة انصاف بن غلبون
Ensaf
Benghalbon.
على فيس بوك بتاريخ
(9/9/2019)
لم تكن فكرة الاتحاد الدستوري الليبي مقصورة فقط على
شخص الملك وفضله ومكانته التي غطيناها بالتفصيل في الجزء الأول من هذا
المقال التوثيقي. -يقول الشيخ محمد وهو يجيب على أسئلتي - بل ان
الفكرة نبعت من حب عميق وغير محدود للوطن، مع وعي كامل بمكوناته
البشرية والمادية، و إدراك واسع ومحايد لخلفياته التاريخية، واستحضار
متوازن لكافة مواطن الهشاشة و مكامن القوة التي يتميّز
بها، ونتائج وتبعات كل ذلك على الحاضر والمستقبل.
وقد كان إعطاء الملك حقه الدستوري –والأخلاقي-
لسد الباب في وجه المتصارعين على المركز الأول والطامعين في
الكرسي الذي في قمة الهرم. وهي المشكلة المتجذرة في التركيبة البدائية
لشخصية ـشعوب منطقتنا (بصفة عامة)، فيؤدي ذلك الصراع إلى نشوب النزاعات
منذ نقطة البداية والتي سرعان ما تتحول إلى عداوات تقود إلى
انشقاقات في الصف الواحد وتولّد عدة صفوف متناحرة. و كل ذلك
يحدث قبل الانطلاق نحو الهدف المنشود. ثم يأتي إصرارنا على التمسك
بالدستور الحائز على المباركة الدولية والنابع من إرادة شعبية في
أول مرة يمتلك فيها الليبيون زمام امرهم، فقد ركزنا على حقيقة -فوجئنا
بأنها كانت غائبة على النخبة المثقفة- وهي أن هذا الدستور جاء قبل
الدولة وقبل الملك مما يجعله إرثاً وطنيا ليس فيه جميل ولا مِنّة
لأحد على الشعب الليبي، لا ينبغي التفريط فيه والدخول في دوامة
كتابة دستور جديد في كل مرة يتغير فيها نظام الحكم حتى يفقد الدستور
قيمته وقدسيته فيتحول إلى مجرد قانون يغيره الحاكم الجديد على مزاجه
بما يتناسب مع مصلحته، فالدول المتقدمة دستوريا لها دستور واحد –فقط-
يجري تعديل مواد منه كلما اقتضت الضرورة، ولا يتم إلغاءه واصدار دستور
جديد، فذلك منافي لفكرة الدستور من أساسها. ويكفي التذكير هنا بإن
الدستور الأمريكي –على سبيل المثال- قد تم تعديله 27 مرة منذ أن
كتبه مؤسسوا الدولة الأمريكية سنة 1787، بينما العراق –على سبيل المثال
النقيض- قد دخل في دوامة ألغاء الدستور وكتابة دستور جديد أكثر من 5
مرات منذ سنة 1925.
وقد روّجنا له ودعونا الجميع لتبنّيه والتمسك به في ذلك
الوقت المبكر من النشاط السياسي ضد القذافي (سنة 1981) بكل
السبل المتاحة آنذاك، وذلك ليقيننا بأن الليبيين لن يمكنهم الاتفاق
على وضع دستور جديد بسبب المنافسات والصراعات التي ستكون بين شرائح
المجتمع متى ما رُفِع عنهم طغيان القذافي. فقد نجحوا في وضع الدستور
الليبي في أواخر الأربعينيات من القرن الفائت لعدم وجود أطماع/ثروات
يتنازعون عليها في تلك الفترة، وكذلك بسبب انصهار الإرادة الشعبية
الجماعية في اتجاه واحد هو نيل الاستقلال، والذي كان
الدستور شرطا أساسيا لتحقيقه. بالإضافة إلى أنه لم تكن هناك صراعات
سياسية في المجتمع الليبي في ذلك الوقت كالتي يعاني منها في الوقت
الحاضر والتي سبق وأن أجّجها شذوذ حكم القذافي وزاد عليها
إيقاده الممنهج للنعرات القبلية والجهوية والمناطقية لتصبح ألغاما
وقنابل موقوتة تنتظر أول فرصة من الفراغ السياسي أو غياب
السلطة لتنفجر فتأتي على الأخضر واليابس.
وقد رصد الشيخ محمد تلك المخاطر في مرحلة مبكرة وبادر
إلى التحذير العلني منها عبر كل القنوات المتاحة في ذلك الوقت استحضِر
منها في هذا السرد وعلى سبيل المثال لا الحصر التحذير الذي أطلقه عبر
صحيفة الشرق الأوسط اللندنية التي كانت من بين الصحف التي تهتم بالقضية
الليبية،
تحت عنوان:
"سياسات
القذافي وضعت الليبيين أمام خطر الحرب الأهلية"
، حيث قال:
"..... لو سقط
القذافي الأن فلن يتسلم الحكم المتشددون الدينيون ولا المعارضة، بل قد
تبدأ الحرب الاهلية .
ان ليبيا على حافة الحرب الاهلية". وبالإمكان الاطلاع على
تلك التحذيرات ومبرراتها بالكامل بنقر الرابط.
وقد أدت جرأة وصراحة ذلك التحذير وخروجه عن المألوف في
تلك المرحلة إلى استهجان من قبل كثير من النشطاء على ساحة المعارضة
الليبية دفعت بعضهم إلى الطعن في وطنيته، والبعض الآخر في رجاحة
عقله، وأنه فريسة لما أسماه أحدهم بـ "وهم المخاوف" "البارانويا" !!! ،
وذهب البعض إلى أنه يروج لإشاعات يقف وراءها القذافي نفسه!!! ولا يزال
الشيخ محمد حائرا إلى يومنا هذا لماذا لم يأخذها أي من النشطاء
السياسيين أو الشخصيات الوطنية المرموقة أو أعيان المجتمع الليبي على
محمل الجد ، أو –على الأقل- حتى مجرد مناقشتها معه بالرغم من وضوح
نوايا القذافي الخبيثة باتجاه تفكيك المجتمع الليبي وإضرام النار بين
مكوناته في حال غيابه عن المشهد !!!

ثم استمر في قرع نواقيس الخطر في مناسبات عديدة
ومتواترة على مدى عشرين سنة منذ ذلك التحذير وحتى انتفاضة فبراير،
أُدرج منها في هذه العجالة ما نشره عبر مجلة "المجلة" بتاريخ
13/09/2012 تحت عنوان:
"حرب
أهلية تصرّ أجهزة استخبارات غربية على إشعالها" حيث قال محذرا
من عدم العمل الفوري على ملء الفراغ السياسي بدستور البلاد، والانشغال
بالانتخابات وبما أسماه "مهرجانات الديمقراطية وأعراسها"
والمحاولات العبثية في كتابة دستور بديل:
"... وفي كل خطوة
يخطوها (الشعب الليبي) بعيدا عن ذلك الدستور، يزداد خطر الحروب
الأهلية التي تصر بعض أجهزة الاستخبارات الغربية على أن يمر بها الشعب
الليبي، انتقاما لما حل بيهود ليبيا عام 1967."
ولم تقتصر تحذيرات الشيخ محمد من مغبة تجاهل الدستور
الذي سينتج عنه فراغا سياسيا سيؤدي -لا محالة- إلى صدامات مسلحة بين
قبائل ومناطق الشعب الليبي كالتي نشهدها اليوم، على البيانات
والتصريحات الصحافية، بل وجه النداء مباشرة إلى رئيس المجلس الانتقالي
السيد مصطفى عبد الجليل الذي كانت كلمته مسموعة في ذلك الوقت
بعد أن حاز -لمدة كافية- ثقة الليبيين بالاجماع، مما جعله الشخص الأكثر
قدرة على تفعيل الدستور وتجنيب البلاد ذلك الفراغ السياسي
الذي طالما حذرنا منه ومن نتائجه الوخيمة، ولكنه استقبل الموضوع هو
الآخر بعقلية الجاهل تماما بطبيعة المجتمع الليبي الهشّة، كما
أظهر قصورا كاملا عن فهم دور الدستور في سدّ أبواب الخطر وفرض سيادة
الدولة في تلك المرحلة الانتقالية الحرجة. وكان ذلك أمر محير جدا
باعتبار خلفية الرجل القانونية والشهادات الأكاديمية الرفيعة التي
يحملها والمناصب العالية التي تبؤها في عهد ما قبل انتفاضة فبراير،
وكذلك كونه ابن قبيلة ويفترض أن يكون على دراية بخطورة الحساسيات التي
سيولدها الفراغ السياسي.
فلم يكن تفاعل الشيخ مصطفى عبد الجليل مع ذلك النداء
وتلك التحذيرات مختلفا عن سابقيه أيام المعارضة في المهجر، ولم يكلف
نفسه عناء حتى مجرد رفع سماعة التلفون للوقوف على هذه التحذيرات
ومنبعها......
ويضيف الشيخ محمد في هذا السياق وكما يقال "الشي بالشي
يُذكر" فإن وسائل الاعلام أولت تحذيراته الجدية اللازمة فكان أول
سؤال وُجه للسيد مصطفى عبدالجليل عند زيارته الاولى الى لندن في
شهر مايو 2011 في مقابلة تلفزيونية أجرتها معه قناة بي بي سي العربية
يوم 12 مايو 2011 هو حول موضوع تحذيراتي من خطر النزاعات المسلحة
والحرب الاهلية التي قد تنحدر اليها البلاد والتي كنت قد أطلقتها قبل
يوم واحد من وصوله إلى لندن، فأبدى نفوراً من الخوض في الموضوع، وأظهر
الامتعاض، واعتبر أن الموضوع برمّته رأي شخصي لا يستحق النقاش أو
التعليق عليه !!!
يمكن الاطلاع
على كامل الرسالة المفتوحة التي وجهها الشيخ محمد إلى السيد مصطفى عبد
الجليل بتاريخ 1 يوليو 2011، والتي نشرت نسخة منها صحيفة "برنيق"
بتاريخ بتاريخ 5 يوليو 2012 باتباع الرابط أدناه، والتي فصّل له فيها
حيثيات ومبررات مخاوفه مما يُحذر منه، واستحضر له صفحات من
تاريخ البلاد الدموي قبيل الاستعمار الايطالي وحذره من عودة شبح حروب
"خط الغرب وخط الشرق" ومن مغبة لجوء البعض "لأخذ ثأرهم
بأيديهم"، وناشده باستباق كارثة الحرب الأهلية "بتبنّي
دستور الاستقلال (دستور 1951)، مع التحفظ على بنوده المتعلقة بشكل
الدولة ونظام الحكم واحالتها للإستفتاء في المستقبل
المستقر، إن شاء الله، لملء الفراغ في المرحلة الانتقالية التي طالت،
وأن تُفعّل القوانين القديمة المنبثقة من ذلك الدستور، وأن تُكوّن
لجاناً تستعجل تطويرها إلى أن يُعاد النظر فيها برويّة في وقت الأمن
والاستقرار... " وحثه في ختامها على عدم الثقة فيمن كان يسميهم
السيد مصطفى "حلفائنا" ، والاحتماء بالثوار الحقيقيين الذين
قاموا بالثورة والذين أشار لهم الشيخ محمد بقوله: "ولا تخش من
"حلفائك"، فلديك أبطال ينازعون الأسُدُ على أشلائها".
كذلك فقد سُئل ممثل المجلس الانتقالي في
بريطانيا السيد جمعة القماطي عن ذات الموضوع من قبل نفس القناة
التلفزيونية فأجاب بمنتهى الثقة بأن "من يقول مثل هذا الكلام ليس له
دراية بالمجتمع الليبي" !!! وهكذا فبين رئيس المجلس الانتقالي
وممثله في لندن وقعت التحذيرات من الكارثة التي تحرق البلاد اليوم على
آذان صماء مرة أخرى !!! وباعتبار الصفة الرسمية التي يتمتع بها كلا
الشخصين في ذلك الوقت فلم تعُد بقية وسائل الاعلام تُعر تحذيراتنا في
هذا السياق أية اهتمام... فعدنا بها مجددا إلى المربع الأول .
وقبل أن أنتقل من هذه الجزئية إلى ما بعدها أرفق قائمة
ببعض من التحذيرات التي جهر بها الشيخ محمد من خطر الحرب الأهلية –والتقسيم-
الذي يتهدد البلاد لمن أراد البحث والتوثيق أو التأريخ لتلك المرحلة،
مع اقتباسات من بعضها لتوضيح أن النار التي تأكل بلادنا وأولادنا لم
تأت من فراغ، ولا كانت غيبا مخفياً، بل أن مؤشراتها كانت
واضحة لمن يرى بعين المصلحة المجردة للوطن، وأن سببها هو تجاهل الساسة
والمعارضون والمسؤلون (بعد الثورة) لتلك المؤشرات، ولا ندري من كان
منهم قد تجاهلها بدافع الجهل والقصور، ومن غيّبها تآمرا على
البلاد وخدمة لأجندات خفية !!!
هل سهلت واشنطن وصول معمر القذافي إلى الحكم
[الشرق الأوسط: 04/10/1992]
قال الشيخ محمد بن غلبون في هذه المناسبة :
"
....
وهاهي تلك الأمة (التي أسسها
الملك ادريس) على حافة الهاوية التي دفعها إليها معمر القذافي بعد أن
حوّلها إلى تكتلات قبلية تتسابق على التسلّح تخوفا من بعضها
البعض....."
ثم زاد القول: "كما سبق وأشرت إليه في رسالة
عممتها على أغلب اخواني في المعارضة الليبية بتاريخ 20/11/1985 بهدف
اتخاذ كل الاحتياطات الممكنة من الجميع لتفويت الفرصة على القذافي
وللتحسّب للكارثة التي يحاول أن يدفع البلاد اليها قبل فوات الأوان،
وما جاء في خطابه الأخير الذي ألقاه بمناسبة الذكرى الثالثة والعشرين
لانقلابه من تهديد واضح للشعب الليبي "بسفك الدماء الليبية بأيدٍ
ليبية وتحويل البلاد إلى نار ودخان" مؤشر واضح على رغبته، خاصة أنه
عمل بدأب على زرع بذور الفتنة وهيّأ لها الظروف والأسباب وأمدها
بالسلاح، ولأنه عودنا على تنفيذ كل التهديدات التي تأتي في خطاباته
مهما شذّت وبعدت عن العقل والمنطق فإنه من الواجب عدم تجاهل هذا الخطر
والاستهانة به " ،
ثم حذر في ذات المقال من "استخفاف
البعض بالظروف الداخلية التي صممها (القذافي) لتذهب ليبيا معه متى
أُطيح به سيؤديان في النهاية لا محالة إلى حروب أهلية في أكثر من
منطقة من مناطق البلاد"
الفقرة الأخيرة تكاد تكون وصفا دقيقا لما حصل في بلادنا
بعد سقوط القذافي ... وتبين كذلك أن ما حدث ليس بمحض الصدفة
...
ولم تقتصر تحذيرات الشيخ محمد بن غلبون من كارثة الحرب
الأهلية –التي كان القذافي يهئ لها- على الليبيين فقط، بل رفعها إلى كل
من "الجامعة العربية"، و "الاتحاد المغاربي" هذه نماذج منها:-
مقال
"حماية الوحدة
الليبية مسؤولية وطنية ومغاربية"
[الشرق الأوسط 26 يناير 1993]
حذر الشيخ محمد في هذه المقالة سنة 1993 من خطر سياسات
القذافي على وحدة التراب الليبي وحمل الاتحاد المغاربي مسؤلياته حيال
الشعب الليبي فقال: "لقد كانت الوحدة الليبية بعد الاستقلال اهم
انجازات الملك ادريس السنوسي (رحمه الله)، ولكنها الأن تمر بمرحلة حرجة
للغاية ، اذ غدت على شفا هاوية سحيقة دفعت اليها عمدا وعلى نحو متواصل
وبخطى مدروسة منذ السنوات المبكرة للنظام الحالي، اذ نخر الروابط التي
كانت متينة بين الليبيين، ووسع الهوة بين سكان الاقاليم ، ونكأ جراحا
قديمة باثارة الحساسيات جهارا، واستعدى البدو على الحضر صراحة ، كما
انكر واقع وجود البربر والافارقة في البلاد تحت ذريعة ومظلة القومية
العربية"
مقال
"ليبيا والجامعة"
[الحياة:
31 يناير 1993]
كما ذكّر الجامعة العربية بمسؤليتها حيال أمن وسلامة
الشعب الليبي من جنون القذافي ونواياه التي أفصح عنها في تلك الفترة
بالقول : " وفي شهر ايلول (سبتمبر) الماضي (1992) اعلن (القذافي) بكل
وضوح عن نواياه لمستقبل البلاد اذ قال فى خطاب رسمي مذاع انه يريد ان
"يسلط الليبيين على بعضهم لسفك
الدماء الليبية بأيد ليبية ويحول البلاد الى نار ودخان".
فهل تريد جامعتنا العتيدة ان تنتظر حتى تنتشر النار فى الهشيم قبل ان
تحرك ساكنا للإعراب عن "القلق البالغ" من تطورات الاحداث ؟
من يطوق النزاعات الأهلية في ليبيا إذا ما نشبت
واستفحلت
؟ [الحيــاة: 3 أغسطس 1994]
رسالة
رئيس الاتحاد الدستوري إلى
المستشار مصطفى عبد الجليل
[ برنيق: الخميس 5 يوليو 2012]
سأكتفي بهذا القدر اليوم وأعود إن شاء الله بالمزيد من
المعلومات التي ستثبت أن ما يجري في بلادنا اليوم من دمار وخراب وسفك
دماء وتبديد ثروات، قد سبق وأن تم استشرافه والتحذير منه –بتفاصيله-
كما لو أن صاحب التحذيرات كان يراها بعين
رأسه لا بعين بصيرته فحسب.
|